الحارث المحاسبي

276

الرعاية لحقوق الله

أهل عمله ومثله ، فأنفق من النفقة أكثر مما لو كان يريد بالبناء نفسه ، فأنفق للمباهاة أضعاف ذلك ؛ لئلا يعلوه غيره ، ليكون هو العالي عليه . وكذلك في طلب الدنيا مجتهدا في الطلب ؛ لئلا يعلوه ويعلو هو في شرف المال وذكره به ، وكذلك في الخدم والأثاث وغيره . قلت : وما التفاخر ؟ قال : التفاخر قد يجمع المباهاة في أكثر معانيه ، ولكن له أسباب ينفرد بها مثل ما قد يجاء معها في العلم ، فيخرجه التفاخر بالعلم إلى الاستطالة عليه فيقول : كم سمعت وهل تحسن شيئا ؟ وما تقول في كذا وكذا ؟ يقول ذلك لغيره ، وما يحسن فلان وإن لم يسمعه ، وما سمع ما سمعت ، وما قام مقامي ؛ افتخارا عليه ، وكذلك التفاخر بالدنيا مع المباهاة فيقول : أنت فقير لا مال لك ، وكم ربحت ؟ وكم عندك من المال ، ومتى ملكت المال ؟ وعندي أكثر مما تملك ، ومولاي أغنى منك ! وكذلك في العمل أن يقول : ما قمت في الحرب مقام الفرسان ، وما كررت ، ولقد جبنت ، وما أحسنت الكرّ ، وكذلك في المناظرة والمفاخرة يقول : كم تحفظ من الحديث ؟ ومن لقيت من المشيخة ؟ وكم أدركت من العلماء ؟ وما كان فلان يقدّمك وقد كان يقدّمني عليك ! ويقول ذلك لغيره من غير أن يسمعه ؛ افتخارا عليه ، فيخرجه الرياء إلى إظهار التكبّر عليه والاستطالة والبغي عليه . والتكاثر قد يجامع التفاخر ويزيد عليه في بعض معانيه وهو مثل قوله : سمعت كذا وكذا من الحديث ، وغزوت كذا وكذا غزوة ، وحججت كذا وكذا حجّة ، وأدركت من المشيخة كذا وكذا ، وما أفطرت مذ كذا وكذا ،